الشيخ محمد رشيد رضا
421
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الحق لا يتوسل اليه بالباطل . واحذرهم ان يفتنوك اي يستزلوك باختبارهم إياك وينزلوك عن بعض ما انزل اللّه إليك لتحكم بغيره . اخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : قال كعب بن أسد وعبد اللّه بن صوريا وشاس بن قيس « من اليهود » : اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه . فأتوه فقالوا : يا محمد انك عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم ، وانا ان اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا ، وان بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونؤمن لك ونصدقك . فأبى ذلك . وانزل اللّه عز وجل فيهم « وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ - إلى قوله - لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ » اه يعني ان الحكمة في انزال هذه الآية اقرار النبي « ص » على ما فعل من عدم الحكم لهم وأمره بالثبات والدوام على ما جرى عليه من التزام حكم اللّه وعدم الانخداع لليهود ، وتسجيل هذه العبرة في كتاب اللّه . وروى ابن جرير عن ابن زيد أن فتنتهم ان يقولوا : في التوراة كذا وكذا ، فيصدّقوا . والأول أظهر فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ اي فان تولوا عن حكمك بعد تحاكمهم إليك فاعلم أن حكمة ذلك هي ان اللّه تعالى يريد ان يعذبهم ببعض ذنوبهم في هذه الحياة الدنيا قبل الآخرة ، فاضطرابهم في دينهم واستثقالهم لاحكام التوراة ، وتحاكمهم إليك رجاء ان تتبع أهواءهم ، واعراضهم عن حكمك بالحق ، ومحاولتهم لمخادعتك وفتنتك عن بعض ما انزل اللّه إليك - كل هذه مقدمات من فساد الاخلاق وروابط الاجتماع لا بد ان تنتج وقوع عذاب بهم . قيل إن المراد بالعذاب هنا ما حل بيهود المدينة وما حولها بغدرهم ، وانما يصح هذا إذا كان نزول الآية قبل ذلك ، وعلى هذا يكون نزول هذا السياق كله قبل نزول أوائل السورة في حجة الوداع . فان ثبت انه لم يصبهم عذاب في عصر النبي « ص » بعد نزولها فلا يبعد ان يكون المراد بالعذاب اجلاء عمر من أجلاهم منهم في خلافته . وقيل المراد عذاب الآخرة وانما ذكر بعض الذنوب لبيان ان بعضها يوبقهم ويهلكهم ، فكيف يكون العقاب على جميعها ؟ وهو كما ترى . ثم قال وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ اي لا يرعك أيها الرسول ما تراه من فسوقهم